أخبار وطنية

رسالة إلى رفيق محنة قديم

رسالة إلى رفيق محنة قديم

يشير إليّ بعض الأصدقاء أنّني لم أعد كما كنت ، و يجب عليّ من هنا فصاعدا أن أحذر في كلّ ما أقول و أكتب ، و أنا مصرّ على أن أواصل حياتي بشكل طبيعيّ لست مقتنعا أنّ مجرّد شهادة عابرة عن مظلمة تُحوّل شخصا بين عشيّة و ضحاها إلى رمز إلا في شرقنا المسكون بالأشخاص الخارقين الذين يفتحون البلدان على ظهور الخيول المُسْرَجَة

لذلك أحبّ أن أوجّه رسالة صادقة إلى رفيق محنة قديم

صديقي ، كنتَ رفيق سجني في البافيون س ، بسجن 9 أفريل هل تذكر ؟

رويت لي كيف وقع تعذيبك في مواضع حسّاسة مما استوجب إجراء عمليّة جراحيّة ، قرأتَ لي رسائلك إلى زوجتك الفاضلة و رسائلها إليك ، رويت لي شهادتك المؤلمة عن قتل صديقك تحت التعذيب و كنتَ شاهد عيان في ذلك ، قضينا مدّة في تلك الغرفة العجيبة القميئة قبل أن يقع نقلي إلى سجن آخر

افترقنا و التقينا بعد بعد سنوات خارج الجدران ، كنتَ تنفق من وقتك و مالك و جهدك و حقوق عائلتك من أجل توثيق الانتهاكات ، و لاقيتَ من أجل ذلك الملاحقة و المتابعة و التعنيف و التضييق في الرزق و سرقة سيارتك و العودة إلى السّجن و لكنك لم تتراجع ، و بقيتَ صوتا حرّا و ضميرا للشهداء و المساجين ، عشرات بل مئات التسجيلات حوّلتَ من أجلها بيتك إلى مخبر للتوثيق و المنتجة ،

لم تتأخّر في أيّ موقف نضالي حقوقي أو سياسي ، في كل المسيرات و التحركات و التجمعات و دافعت كتفا بكتف قوات الأمن و هي تمنع الدّخول لمقرّ ال PDP حتى أسقطوك أرضا

كنّا أصدقاء لا نفترق ، ساندتني في كثير من المواقف العسيرة التي لن أنساها ، آويتني في بيتك و استضفتك في بيتي ،

لن أنسى يوم غادرتُ منزل العائلة ذات مساء تحت جنح الظلام حاملا أدباشي في سيارتك ، كان يوما مشهودا ، مليئا بالشجن ، كانت فرصة للتحرّر من الرقابة و الاشتغال على بعض الملفات الحقوقية بوسائل تقنية بسيطة و لكن كانت مؤثرة تقضّ مضجعهم

اليوم بعد الثورة ، في هذا المسار المتقدّم الذي كنتَ أحد روّاده ترتبك خطواتك و تختلط لديك الأمور و تتشوّش عليك الرّؤية

صديقي كنتُ أتمنّى أن أراك تستقبلني في ذلك اليوم التاريخي الذي يتوّج تعبنا و شقاءنا و مواجهتنا لليأس و الاحباط و التعسّف ، كنتَ أولى بذلك اليوم شاهدا أو مشهودا بحضرتك ، لكن كان لك راي آخر و موقف آخر و تموقع أخر و في نفس الوقت الذي كنتُ أعرض فيه شهادتي كنتَ أنت تتجوّل من قناة إلى قناة تشكّك في المسار و نتائجه

صديقي إذا كنتُ قد أعلنت في شهادتي استعدادي أن أقابل اعتذار جلاديّ و جوابهم عن أسئلة الضحايا بالمغفرة ، فأنت أولى منهم بالمغفرة مهما كان الموقف من تعثرك و اضطرابك في استبعاب مقتضيات اللحظة التاريخيّة التي يصير فيها الحليم حيرانا و لا يدرك حقيقتها إلا أولو العزم

اليوم أحسّني متخفّفا من كلّ الشوائب الذاتية لذلك أُشهد الله أني قد غفرت لك و أسأل الله لك التبصّر و المراجعة قبل الوقوف أمام عدالة سماويّة أبديّة تُنشَر فيها الصّحف و الأعمال و يبرز النّاس أمام عالم السرائر الذي لا تخفى عليه خافية يَعلَم خائنة الأعين و ما تُخفي الصدور

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

Most Popular

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com