أخبار وطنية

محمد المنصف المرزوقي يكتب عن الأزمة السياسية

محمد المنصف المرزوقي يكتب عن الأزمة السياسية

(6 جانفي,2016)
لفهم هذه الأزمة لا بدّ من وضعها في الإطار والتأكيد على بعض المفاهيم.
الشعب: مجموعة من البشر تمتلك دولة أغلب الوقت وتجمعهم داخل رقعة جغرافية محددة قوى الترابط (ثوابت الانتماء لنفس العرق، اللغة، الدين، الثقافة المصالح، العدوّ المشترك) وتفرّق بينهم قوى التفكك (ديناميكية الحزازات الشخصية والجهوية والعقائدية الخ)
طالما بقيت قوى الترابط أقوى من قوى التفكك طالما تواصل الشعب في الزمان والمكان. عندما تتغلب قوى التفكك على قوى الترابط ينفجر الشعب إلى شعبين أو أكثر ودولته إلى دولتين أو أكثر.
السياسية:
مدرستان
1-داخل وضع الندرة والتنافس الشرس بين مكونات المجتمع، السياسة علم –فنّ توزيع الثروة والسلطة والاعتبار لمصلحة الأغلبية وبأقصى قدر ممكن من العدل لخفض المعاناة وتفادي العنف الذي يخلقه الظلم (منديلا نموذجا)
2-داخل وضع الندرة والتنافس الشرس بين مكونات المجتمع، السياسة علم –فنّ توزيع الثروة والسلطة والاعتبار لمصلحة الأقلية دون اعتبار للظلم والمحافظة على الوضع المرفوض من الأغلبية بكل الممكن من أصناف التضليل والتزييف والعنف (المخلوع نموذجا).
السياسات
البرامج التي يضعها النظام السياسي -سواء انتمى للمدرسة الأولى أو الثانية – لتقديم وتنظيم الخدمات الأمنية والاقتصادية والصحية والتربوية والقضائية والثقافية التي هو مجبر على تقديمها لتبرير وجوده ودوامه والأداة الدولة.
الدولة: منظومة متكاملة من البشر (البيروقراطية من الرئيس إلى المنظّف البلدي) ترتكز على جملة من الموارد المادية والقوانين والخبرات والقيم ومهمتها تنفيذ السياسات التي يقرها النظام السياسي. وهذه الدولة من نوعين: التي تملك شعبا يخدمها والتي يملكها شعب تخدمه.
النظام السياسي
جملة الأشخاص الذين تجمعهم أفكار وقيم ومصالح مشتركة والذين يتسلمون برضا الشعب وتكليفه أو غصبا عنه مقاليد الدولة ليتحكموا ويديروا بنجاح متفاوت ولفترة تطول أو تقصر هذه الآلة.
ملاحظة: زمن الشعوب يقاس بمئات وأحيانا بآلاف السنين وزمن الدول بالمئات منها وزمن الأنظمة بالعشرات على أحسن تقدير. هذه الأزمنة المتباينة هي إحدى أسباب فشل الأنظمة في التحكم في دولة وجدت قبلهم وستوجد بعدهم وإحدى أسباب فشل الدول في قولبة الشعوب في أي قالب وهذه الشعوب موجودة قبلها وبعدها.
المجتمع المدني هو نسيج الجمعيات والتنظيمات الذي يخلقه أحسن ما يوجد في المجتمع من الطاقات الخلاقة وهو يتشكّل إما كاحتجاج وبديل لنواقص الدولة الاستبدادية أو كحليف للدولة الديمقراطية التي لا تستطيع وحدها مهما كانت إمكانياتها وحسن نيتها الاضطلاع بكل المشاكل الاجتماعية.
التجارب السياسية
البشرية حقل تجارب. تاريخها بحث عن أحسن نظام اقتصادي، صحي، تربوي الخ ….
البحث عن أحسن نظام سياسي جزء أساسي من التاريخ.
وراء شكل أنظمة الحكم (ملكية كهنوتية، ملكية مطلقة، ملكية دستورية، جمركية، جمهورية رئاسية، برلمانية) ثمّة ثلاث ” هياكل عظمية ” ثابتة هي التي تغطّى بهذا الرداء أو ذاك.
1- المستبدّ العادل: ومن تجريب النظام عبر العصور اتضح أنه وهم لأنه بمرور كل يوم يصبح المستبدّ أقل عدلا وأكثر استبدادا مما يعني أن مرحلة المستبدّ العادل هي أولى مراحل الدكتاتورية.
2- الدكتاتورية (الدينية، القومية، الوطنية): من تجريب النظام عبر العصور اتضح أنه ينتهي دوما بخراب داخلي نتيجة الفساد وبتخريب المجتمع الذي يجد نفسه مضطرا في آخر المطاف لمواجهة عنفه الهيكلي بعنف أقوى هو عنف الثورة.
3- الديمقراطية (برلمانية، رئاسية) من تجريب النظام اتضح أنه أقل الأنظمة السياسية سوءا لكنه مهدّد بأربع أمراض تؤدي عاجلا أو آجلا إلى انهياره هو الآخر.
القانون: مثالب الدكتاتورية تمهّد الطريق للديمقراطية وأمراض الديمقراطية تمهّد الطريق للدكتاتورية وتبقي الشعوب تدور في حلقة مفرغة من الديمقراطية إلى الدكتاتورية ومن الدكتاتورية إلى الديمقراطية وهكذا دواليك …. اللهمّ إلا إذا استطعنا المرور إلى شكل أرقى من الحكم قد يسمى يوما ما بعد الديمقراطية.
الأزمة السياسية التي نتخبط فيها
هي انتقالنا الصعب من الدكتاتورية إلى ديمقراطية هشّة وإمكانية أن تتحول تجربتنا الحالية بأسرع ما نتصوّر إلى دكتاتورية بقناع الديمقراطية وحتى بدونها وذلك نتيجة الأمراض الأربعة التي تنخر في الديمقراطية في كل مكان.
1- المال الفاسد الذي يشترى أحزابا وسياسيين وصحافيين لمصلحته.
2- الإعلام الفاسد الذي يضلل الناس لينتخبوا ألدّ أعداء مصالحهم.
3- السياسي الفاسد الذي يستعمل المصلحة العامة لتحقيق مصالحه الخاصة ولا يتورع عن استعمال أي وسيلة.
4- المواطن الفاسد (الذي يبيع صوته) أو المحبط المستقيل الذي يرفض الانتظام لا في حزب ولا في منظمة اجتماعية ولا يتكلّف عناء الانتخاب.
من حسن الحظّ أن ديمقراطيتنا الناشئة تعجّ بسياسيين وإعلاميين ومواطنين غير فاسدين منهم الذين خرجوا بشعار جيناك بلا فلوس. لكن الحدود متحركة ولا يمكن الجزم بما سيكون عليه الأمر من هنا لعشر سنوات
ما أسميه شعب المواطنين هو الشعب الذي تتغلب فيه قوى الترابط على قوى التفكك …الشعب الذي يملك دولة ولا تملكه دولة …الشعب الذي لا يرضى إلا بمدرسة منديلا في السياسة …الشعب الذي يضع سياسات بالغة الطموح ليصبح على رأس قائمة الشعوب المتحضرة …الشعب الذي ينخرط أفراده بقوة في كل التنظيمات والأحزاب ويشارك بقناعة ووعي في كل الانتخابات في كل المستويات …. الشعب الذي بلورت نخبه الفكرية والسياسية نظاما ديمقراطيا إمكانية الوصول فيه لرئاسة الجمهورية أو أي منصب هام بالمال الفاسد والاعلام الفاسد مثل إمكانية الحصول على الدكتوراه في الفيزياء النووية أو جائزة نوبل بهذه الأساليب.
ثمة إذن تحديات كبيرة أمام الخيال والتشريع تنتظرنا لكي نكون مبدعين لا نقالين …لكي نواصل التجريب السياسي ونحسّن ولو بفكرة نظاما قد يكون آخر خط دفاع قبل جولة أخرى من الهمجية السياسية .

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

Most Popular

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com