أخبار وطنية

قراءة في الإعلام التونسي قبل وبعد الانتفاضة الشعبية عام 2011 توجهاته، تأثيراته ونسبة رضى المشاهد عن مضمونه

لا شك أن الإعلام بمختلف أشكاله هو الواجهة الرئيسية  أو جزء من منظومة العلاقات الداخلية والخارجية للدولة، فهو إحدى الوظائف التي تمارسها الدولة في سياستها الخارجية لإعطاء الصورة المرجوة عن ثقافتها وسياستها المتبعة وتنوعها الثقافي والإجتماعي والإيديولوجي. وهو في الآن ذاته  يعكس مصالح الدولة الاتستراتيجية والاقتاصدية والثقافية إلخ..

إلا أن اختلال النظام الإعلامي وانحسار جودة المضمون الذي يشاهده المتلقي قد يخلق نوعا من السخط و الرفض الشعبي ومقاطعة تلك المادة الإعلامية وبالتالي قد يتسبب في انحطاط المستوى الإعلامي شكلا ومضمونا.

ولا يخفى على المراقب للمشهد العربي في السنوات الأخيرة التغيير الذي طرأ على الإعلام العربي وما صاحبه من تغييرات سياسية واجتماعية أدت إلى تغيير العديد من المظاهر الإجتماعية سلبا وإيجابا. الإعلام كان أبرز قطاع من القطاعات التي طرأ عليها ذلك التغيير بتعدد وسائل الاتصال فيه وبروز محطات وإذاعية وتلفزية ومواقع إلكترونية مما أثرى الساحة الإعلامية بالعديد من المواضيع والأطروحات والقضايا التي تتحدث عن التغيير.

الهدف من البحث:

من هذا المنطلق، يشرع هذا البحث في قياس مدى التغير في الإعلام التونسي شكلا ومضمونا وتأثيرا عما كان عليه قبل عام 2011. هذا البحث يكرس ويستقصي فئة معينة من مختلف شرائح المجتمع التونسي ويشخص رضا المشاهد التونسي عن الإعلام الوطني في بلاده وماالذي يطمح أن يتغير فيه بعد أن أصبح الصوت الحر هو المكسب المشترك منذ عام 2011.

فصل:

 تحليل عام لتغطية الأحداث التي شهدتها تونس عام 2011:

يقول(د.فضل العامري،1432هـ، ص:211):” المجالات في الدول العربية سواء منها سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية تطورت بشكل كبير ماعدا الإعلام.فالإعلام العربي تأخر عن التطور العام  للمجتمع فهو عاجز عن نقل الصورة الحقيقية للمجتمع العربي الذي هو واحد من أكثر المجتعات حيوية.أهم عيوب الإعلام العربي تتمثل بطابع نقل الأخبار فيما تتجه مؤسسات الإعلام العالمية بالإضافة للأخبار التحقيقات الميدانية والبحث والاستقصاء ونقل المعلومة بشفافية رأيٍ ورأيٍ آخر”

ومن هنا أتت تغطية قناة الجزيرة الإخبارية للحدث الجلل الذي وقع عام 2011 في تونس من انتفاضة شعبية عامة، وأصبحت تبث تقارير عن التجمعات والمظاهرات التي تحدث في أغلب أرجاء البلاد وتستضيف معارضين للنظام في منابرها للحشد وتشجيع الناس على مواصلة تظاهراتهم في الشوارع والميادين وعدم الخوف من أجهزة الأمن. في حين نجد الإعلام الرسمي يصف أولئك بالشرذمة وقطاع الطرق وأن القانون سيأخذ مجراه عليهم. ولهذا، الإعلام التونسي الرسمي في تلك الفترة، اكتسب مقت وسخط الكثير من فئات المجتمع لعدم خدمته المواطن فيما يعود عليه بالنفع. فقد كانت أغلب وسائل الإعلام إن لم نق  ل جلها، سواء المسموعة منها أو المرئية أو المقروءة تقبع تحت قبضة الدولة الحديدية التي تسيَر لها نهجها وتُخضع لها قوانينها بما لايمس من الذات الحاكمية بشيء. فقد كانت هناك تسع محطات إذاعية رسمية وقناتان رئيسيتان تبث برامجهم السياحية والثقافية وأنشطة رئيس الدولة وكل مايخصه، حتى المواطن لم يكن يعلم مااسم الوزير المسؤول عن الشؤون الأمنية أو الثقافية وإلخ.. لأن جلً اهتمام وسائل الإعلام آنذاك كانت في خدمة الحاكم.

 وفي المقابل، كانت هناك قناتان خاصتان هما قناة”نسمة” و”حنبعل” لم تحيدا عن الخط المرسوم لهما، بل مالكا تلك القناتين كانا من أبرز رجالات الأعمال الذين تربطهم مصالح مع شخصيات مقربة من الحاكم، ومن كان يحيد عن النهج المرسوم له كان يذوق من ويلات النظام أشد العذاب. فنجد مثلا صحيفتا” الموقف” و” مواطنون” تم سحبهما وتعطيل نشرهما في الأسواق والمحلات التجارية لأنهما كانتا تطالبان ببعض الشفافية والنقد لأجهزة الدولة. وليس للمواقع الإلكترونية استثناء فقد كان جلها لا يتطرق للشؤؤن السياسية بل للأخبار الاقتصادية وماشابهها مثل موقع “أفريكان نيوز” و”بيزنيس نيو  ز”.

دور المال السياسي في الإعلام التونسي:

يقول(د.فضل العامري، 1432هـ،ص:193):” تشكل سيطرة المافيا المالية على وسائل الإعلام في عدد من الأقطار العربية عوامل سلبية تحد من حرية التعبير والرأي، حيث أنها تمارس نفوذها على السلطة السياسية وشركات الإعلام فتحدد  المسموح بثه والممنوع التعاطي به، وتتحكم في النتائج الإعلامية لأوساط فكرية من أجل الترويج لأفكار ومقولات سياسية أو فكرية تخدم المافيا الإعلامية المالية”

ومن هذا المنطلق، يلعب المال السياسي في تونس دوره العظيم في الدعاية السياسية أو الحزبية الضيقة والتأثير على الرأي العام فأصبح الإعلام في ظل ضعف السلطة ونزع قبضتها عليه والفوضى ودون الضغوطات، أداة لتصفية الحسابات الأيديولوجية والسياسية والإجتماعية.

وبعد أن أصبح المجال واسعاً والرأي الحر مسموعا، انطلقت العديد من القنوات والإذاعات والصحف بعد الثورة ببثها وكل يسير على هواه وعلى الخط السياسي الذي يروق له. فقد شهدنا في الآونة الأخيرة قبل فترة الانتخابات التي أفرزت عن رئيس منتخب ومجلس لنواب الشعب، رأينا كيف أثرت تلك القنوات والإذاعات على المواطن بتسييره للتوجه لانتخاب هذا الحزب أو ذاك دون تقديم منهج ورؤية واضحة تخدم الوطن لأجيال وأجيال. وبالتالي، تفرق الموطنون بين مؤيد ومعارض لهذا الفريق أو ذاك، ومن يؤيد حزبا سياسيا معينا يتابع القناة أو الإذاعة التي تروج لذلك الحزب أفكاره وتعرض له توجه    ته.

وفي المقابل، الإعلام الرسمي أضحى بين مطرقة النقد اللاذع والتهم الموجهة ضده وسندان الحيادية والموضوعية في طرح المواضيع والقضايا. لكن المتفق علي بين الجميع،أن الإعلام الرسمي يحتاج للكثير من التطوير وإعادة هيكلته وتأطيره في كل المجالات كالكوادر والتقنيات وأسلوب الخطاب وإلخ.. ويبقى السؤال مطروحا بين أفواه الناس وأزقة الشوارع العامة:” هل هو إعلام ثورة أم أنها ثورة إعلام”

إن المطلوب من الإعلام التونسي بعد أن أصبح حرا لا يخضع للضغوطات كالسابق، أن يعيد هيكلته بما يتماشى مع التعددية الفردية وحرية الصحافة واستقلال الصحفيين. وضرورة أن لا تبقى المعلومة حكرا على فئة أو سواها من اجل الفوز بما يسمى” السبق الصحفي ونسب المشاهدة” وما إلى ذلك. ومن ثم تحويل بعض مؤسساته إلى طابع اقتصادي وذلك ليكون الإعلام معتمدا على ذاته ويكون متمكنا وقادرا على تجسيد رسالته الصادقة دون أي أطماع أو نزاعات.

الإعلام سلاح فتاك يستعمل في الخير أو الشر وضمن رضى المشاهد سلبا أو إيجابا. لذلك يتعين علينا أن نوعي مجتمعنا بكافة أطيافة وننوره من أخطار مايبث في الإعلام ونعرض له تلك القضايا التي تمس حاجاته وتتحدث عن مشاكله وأزماته وطموحاته وأن نصنع منه إنسانا مثقفا قارئا نهما، وقائدا لأمته ومربيا لأجيالة الآتية من بعده.

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

الأكثر تداولا

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com