أخبار وطنية

رئيس الجمهورية يتحدّى الإرادة الشعبية المناهضة لقانون ما يسمّى بالمصالحة الاقتصادية والمالية.

في تحدّ سافر للإرادة الشعبية المناهضة لقانون ما يسمّى بالمصالحة الاقتصادية والمالية، وبعد فشل رئيس الجمهورية وحزبه القائم على المال الفاسد في تمرير هذا القانون الذي يعدّ نسفا لمسار العدالة الانتقالية باعتبار أنّ الغاية منه تبقى دائما تبرئة الفاسدين وتبييض الفساد، يعود إلينا اليوم حزب نداء المنظومة الفساد ورئيسه بطرح جديد قديم لهذا المشروع ليتمّ طرحه للنقاش في لجنة التشريع العام تمهيدا للمصادقة عليه بإحدى الجلسات العامة بمجلس نواب الشعب. ويبدو أن هذا المشروع المغالط في صيغته الجديدة يحظى بقبول مجموع الأحزاب المكوّنة للائتلاف الحاكم وبقية الأحزاب التي دخلت في ركاب الدعوة المسمومة لرئيس الجمهورية لتشكيل حكومة وحدة وطنية. ومن المفيد التذكير بالإطار الجديد الذي تمّ فيه طرح هذا القانون مرّة أخرى – بعد الفشل في تمريره في مناسبة أولى – إذ أنّه تزامن الدعوة المغالطة لتكوين حكومة الوحدة والوطنية المزعومة وقبلها مع دعوة زعيم حركة النهضة إلى ما سمّاه منظومة المصالحة الشاملة التي لقيت قبولا من الائتلاف الحاكم رغم أنّها ماتزال إلى حدّ الآن عديمة الملامح وضبابية الرؤية.
إنّ حقيقة مشروع ما يسمى بقانون المصالحة الاقتصادية والمالية هي محاولة متكرّرة لطمس الحقيقة ولحماية منظومة الفساد، وتشريع لإفلات الفاسدين والمجرمين وعصابة السرّاق من المحاسبة والعقاب. وهذا القانون الذي يلقى رفضا وطنيا وحتّى دوليّا يعتبر نسفا لمسار العدالة الانتقالية، فقد سبق أن اعتبرت لجنة البندقية – هي لجنة تابعة للمجلس الأوروبي تعنى بالديمقراطية و مدى تطابقها مع مختلف المدونات القانونية – هذا المشروع المقدّم من رئاسة الجمهورية تشوبه الكثير من الهنات والعيوب بشكل قد يعصف بمسار العدالة الانتقالية، باعتبار أنّ تركيبة لجنة المصالحة كما وردت في مشروع القانون لا تضمن استقلاليتها، إضافة إلى أنّ الإجراءات التي ستتبعها اللجنة المقترحة لا تضمن إقرار الحقيقة وكشفها، ولا يحقق أحد الأهداف الرئيسية من العدالة الانتقالية والمتمثل في إصلاح المؤسسات وتفكيك منظومة الفساد. وقد سبق أن أكّدت لجنة البندقية على عدم تغيير الأرضية القانونية لهيئة الحقيقة والكرامة حتى لا يتم تقويض مسار العدالة الانتقالية، وحذّرت من المسار المزدوج بإنشاء لجنة موازية لهذه الهيئة.
ومنذ البداية كنّا على يقين أنّ معركـة رفض قانون المصالحة هي حرب مفتوحة، وهي جزء من المقـاومة الشاملة ضدّ النظام القائم وسياساته الاقتصادية والاجتماعية، والدعوة موجّهة الآن إلى كل القوى الوطنية إلى مزيد توحيد الجهود لمواجهة هذه السياسات التي لم تتغيّر منذ عقود حكم نظام الاستبداد والفساد. فقد واصلت الحكومات المتعاقبة بعد فرار المخلوع نفس سياساته الاقتصادية والاجتماعية المعادية للشعب والوطن، وكانت انتخابات 2014 وما آلت إليه من نتائج وما انبثقت عنها من قرارات سواء في مستوى حكومة الصيد الهجينة أو في مستوى القوانين المصادق عليها من مجلس نواب الشعب الذي تحكمه مجموعات برلمانية مرتبطة بمافيا المال والأعمال أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية ومصالح الشعب الذي انتخبها. بل إنّ تعمّق الأزمة الاقتصادية وتزايد حالة الاحتقان الاجتماعي وما رافقها من قمع للتحركات الجماهيرية المدافعة عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات العامة والفردية، قد زاد من حدّة الأزمة التي تحوّلت بحكم أزمة الحزب الأغلبي وانشقاقاته إلى أزمة سياسية خانقة.
ولئن وفّقت منظمات المجتمع المدني وعديد أحزاب المعارضة وعلى رأسها التيار الديمقراطي في عرقلة تمرير هذا القانون في مرحلة أولى، ونجحت في التصدّي إليه وعرقلت تمريره رغم التهديدات المتتالية من وزارة الداخلية بقمع المحتجين، فإنّ التحالف الحكومي الحالي لم يتوان في تكرار محاولات فرض خياراته في نسف مسار العدالة الانتقالية خاصة وضرب مكتسبات ثورة الحرية والكرامة عامة. إنّ التحالف الحاكم الحالي أصبح رهانه الأكبر العمل على التستر على الذين أجرموا في حق الجماهير الشعبية منذ عقود. كما لم يتوان نوابه في مجلس نواب الشعب عن تمرير قوانين شرّعت للاستبداد والفساد والمصادقة على اتفاقيات اقتصادية واجتماعية مذلة، وهم يعملون الآن على تمرير هذا القانون المغشوش في وضع اقتصادي متأزّم وحالة احتقان اجتماعي حادّة وأزمة سياسية خانقة.
إنّ مشروع هذا القانون – بصيغه المختلفة – ما هو إلا حلقة أخرى من حلقات إتمام عملية التسوية السياسية والاقتصادية مع عصابات النهب التي استنزفت خيرات البلاد واستباحت ثرواتها، وهي حلقة جديدة من حلقات تقنين منظومة الفساد وشرعنتها. إنّ مشروع هذا القانون هو تستر قانوني على جرائم نهب ثروة الشعب وهو تشريع إجرائي للإفلات من العقاب باعتبار أنّ فصله الثاني يؤكّد على توقف التتبعات أو المحاكمات أو تنفيذ العقوبات في حق اللصوص من بين الموظفين العموميين ورجال الأعمال المورطين في النهب وفي الاعتداء على المال العام خلال سنوات حكم المخلوع وقبلها.
غير أنّ وفي إطار التحالف الحكومي المنبثق عن انتخابات 2014، وباعتبار ارتباط المصالح الاقتصادية بالانتهازية السياسية والمال السياسي الفاسد، فإنّ مشروع ما أطلق عليه بالمصالحة عرف تحويرا ليبرز في صيغة “توافقية” بين مكوّنات الائتلاف الحاكم والأحزاب التي تدور في فلكه، تحت عنوان اختاره شيخ له شيخ مونبليزير اسم “المصالحة الشاملة”. وفي الحقيقة أنّ مبادرة شيخ قرطاج كما هو الحال لمبادرة شيخ مونبليزير ليست إلاّ صورة جديدة لمشروع المصالحة المغشوشة التي يرمي الشيخان إلى تمريرها عبر تبرئة الفاسدين في عهد الدكتاتور وإنصاف ضحايا الدكتاتورية دون مساءلة ومحاسبة ودون بناء مؤسسات وهيئات مختصة تسهر على إرجاع الحق إلى أصحابه. إنّ زمن التناقضات الصارخة التي تعيشها تونس كشفت عن شكلانية الدستور في نظر هذا التحالف الندائي – النهضوي ومن كان في ركبهما فيما يتعلّق بمسألة العدالة الانتقالية ومحدودية فاعلية قانونها والمؤسسات المنبثقة عنه، وهذا يضعنا مرّة أخرى أمام حلقة جديدة في سيرورة التسريع في نسف مكتسبات الثورة.
إن القوى الوطنية المؤمنة بالثورة وبأهدافها والمتشبثة بالعدالة الانتقالية كمنهج وبهيئة الحقيقة والكرامة كآلية لتنفيذها، ليس لديها من خيار سوى التسريع في توحيد جهودها، وتطوير أدائها في اتجاه الالتحام بعموم الناس، ورفع رايات التصدي لسياسات النظام القائم الذي يسعى جاهدا إلى إجهاض ثورة شعبنا المجيدة. هذه الثورة التي قامت على أساس الحرية والكرامة والعدالة، وهو ما يفرض بضرورة التمسك بكشف الحقيقة والمحاسبة قبل المصالحة. وفي هذا السياق الذي تعيشه بلادنا اليوم يمثل التصدّي لقانون ما يسمى بالمصالحة بعنوانيه المختلفة أحد محاور المقاومة التي تستوجب تعبئة جماهيرية واسعة، وبالتالي فإنّ الدعوة إلى التظاهر وتعميم الاحتجاج وعدم الاقتصار على المحاججة القانونية وفضح جوهر هذا القانون اقتصاديا وسياسيا تمثل اليوم حلقة أساسية في سلسلة الإعداد والاستعداد لتصحيح مسار الثورة واستكمال مهامها لتحقيق أهدافها.
رضا الزغمي.

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

الأكثر تداولا

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com