أخبار وطنية

جربة: رأس الرمل والإغتيال الممنهج

الحالة التي عليها شبه جزيرة ” رأس الرمل ” اليوم هي مثال صارخ ومعبر على حجم الكارثة التي تسببت فيها الدولة إزاء معالمنا الطبيعية جراء سياساتها الخاطئة وصمتها الغير مبرر على عبث بات يسوق على انه استثمار سياحي .
ان ما تعرفه جزيرة النحام الوردي او الفلامينڤو من استغلال فاحش لمحيطها الهش سيؤدي في النهاية الى دمارها واغتيال نضامها البييء الفريد الذي لطالما ما هادانا بأروع المناظر لآلاف الطيور المهاجرة وهي تحط الرحال بيننا في كل شتاء لتنعم بدفئنا ونستأنس برفقتها.
كم يجب ان نصرخ محذرين لتستيقظ الضمائر النائمة وكم يجب أن نكتب من مقال لتهب الدولة من مرقدها فتضع حدا لهذه الجرائم التي ستحول القلة القليلة من محمياتنا وفضاءاتنا الجميلة الى مستنقعات هجرتها الحياة وفارقتها صور الجمال الرباني .
“رأس الرمل” التي كانت عبارة عن جزيرة برية جميلة عذراء تعانق السماء في أفق مدينة حومة السوق طالها القصف المدمر للإنسان ليحولها الى مشروع تجاري ربحي قبيح دونما مراعاة للبيئة البرية والبحرية وكائناتها من الطيور والأسماك والدلافين . ” رأس الرمل ” اليوم عبارة عن مقاسم ومبان ومخيمات ومواقف للسيارات الرباعية الدفع ودراجات الكواد بالاضافة لحظائر الخيل والجمال .
ان ما عرفته شبه الجزيرة طيلة السنوات الماضية من بناء فوضوي واستباحة للفضاء بات يشكل سدا مانعا وخانقا صادا للطيور المقيمة او المهاجرة . عشرات الدلافين يلقي بها البحر من حين لآخر بعد أن أعياها الحصار الفج لمحركات البواخر السياحية حتى أصبحنا لا نراها الا ميتة . مر الاغتيال الممنهج مرور الكرام عبر السنوات محولا جزيرة الفلامينڤو من ملجئ لتفريخ وتكاثر الاسماك الى مقصد للمخربين وعبدة الكسب السهل يرتعون فيه بلا رادع .

يعلم القاصي والداني أن ما يتلف في المنظومة الطبيعية يصعب استصلاحه وأن ما يدنس في السلسلة البيئية لا يعود له بريق فكلما تدخل الإنسان واساء إستغلال موارد بيئته أو أحدث تغييراً جوهرياً واضحاً فى خصائص عناصرها، كانت النتيجة إضطرابا و إختلالا في توازنها ومع ذلك فإن شرف المحاولة يبقى قائما عسى الطبيعة تستجيب وتزهر الأرض بعد جدبها ولعلنا ان استفقنا الآن ننقذ شيئا من موروث دنسنا وطبيعة اغتلنا علنا نحفظ شيئا لأجيالنا القادمة .
تبنت الامم المتحدة منذ سنوات “برنامج البحار الإقليمية” كما تبنت منظمة اليونسكو قبلها عدة مشاريع هامة مثل برنامج “الإنسان و المحيط الحيوى” ومن جهته ما فتئ الاتحاد الدولى لصون الطبيعة و الموارد الطبيعية يجزل العطاء للدول لتشجيعها على إنشاء المحميات الطبيعية ، وهو الأمر الذى أدى إلى إعلان الكثير من المحميات الطبيعية في العالم . فهل نرى تحركا باتجاه هذه الهياكل من أجل توفير الحماية والإحاطة برأس الرمل ؟ وهل نرى وزارة البيئة تبادر لوضع حد للاستغلال المفرط لاستراحة الطائر الوردي وجنان الأسماك المفرخة ؟

“رأس الرمل ” ثروة طبيعية نفرط فيها يوما بعد يوما تحت عنوان الكسب وليته كان كسبا مقننا ! فالجميع يعلم أن كل الرحلات البحرية التي تتخذ من جزيرة الرأس مرسى ومقصدا غير مرخصة وهو ما تؤكده وكالة حماية الشريط الساحلي التي همس لنا أحد مسؤوليها بأن الوكالة لم تمنح ترخيصا واحدا لاستغلال الجزيرة قصد التكسب وتحقيق الربح وأن كل ما يملكه منظمو تلك الرحلات هو رخص سياحية للإبحار وتنظيم الفسحات البحرية على ظهر المراكب وتحولت بقدرة قادر الى احتلال للفضاء واغتصاب للطبيعة واعتداء على مكوناتها . سألنا المسؤولين البلديين ان كان للبلدية عائدات من هذا النشاط التجاري ففاجئنا الرد بأن كل ما يصل البلدية من انتهاك حرمة “رأس الرمل ” هو القاذورات التي يلقي بها البحر وأكوام الخردة التي تملأ المكان .

الغريب أنه وبالرغم من غياب التراخيص والتمكين من السلط المحلية وفي غياب كل تأمين لتلك الرحلات فان هياكل رسمية مثل وكالات الأسفار لا تتوانى عن استغلالها والتكسب منها وبأسعار خيالية أحيانا ( بين 30 و 50 دينارا ) بالكاد تصل منها حفنة دنانير لأصحاب المراكب حتى أنك لا تكاد تسجل اسم ” جزيرة الفلامان روز ” على أي محرك بحث حتى تفاجئ بحجم التشكيات من عمليات التحيل التي استهدفت مئات السواح الذين وجدوا أنفسهم على ظهر مراكب بيعت تذاكرها ب 10 دنانير بينما بيعت لهم بأضعاف أضعاف ذلك .

الأزمة التي نمر بها عميقة وسياحتنا تعيش أحلك فتراتها ولعلنا من منطلق مراجعة أنفسنا وتقييم ماضينا نتعض من أخطائنا فنصلح ما أفسدنا . مالمانع في ان تقتصر الرحلات البحرية على فصلي الربيع والصيف فنريح بحرنا وساكنيه وجزيرتنا وزوارها المهاجرين ؟ ما المانع في أن ينظم قطاع الرحلات البحرية فيصبح لنا شباك تذاكر موحد وسعر موحد وخدمة نموذجية تكرس ثقافة احترام البيئة بدل تخميرات القراصنة على نغمة البومزيود والبطون المنتفخة بالكسكسي والدلاع تراقص جهلنا واستخفافنا بمقدراتنا الطبيعية .

المصدر: مقال لصفحة المسكوت

île flamants roses djerba (2) île flamants roses djerba (5) île flamants roses djerba (7) île flamants roses djerba (1)

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

الأكثر تداولا

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com