أخبار وطنية

المصالحة الوطنية في تونس، ضرورة إقتصادية أم رسكلة للنظام القديم

المصالحة الوطنية في تونس، ضرورة إقتصادية أم رسكلة للنظام القديم

رغم بعض النكسات التي تشهدها من حين لآخر تبقى تجربة الإنتقال الديمقراطي في تونس فريدة من نوعها في وطننا العربي، فالثورة التونسية لم تعرف تدخلات غربية مباشرة في مسارها في بادئ الأمر على الأقل ولا تصادما حادا بين الشعب الأعزل وقوات الجيش الوطني مما جنبها الدخول في مستنقع العنف والحرب الأهلية والتدخلات الإقليمية، وخلافا لباقي دول ما يسمى بالربيع العربي تمكنت تونس من إجراء أول إنتخابات حرة ونزيهة في تاريخها لتحصد بذلك إعجاب العالم وإحترامه وتنال عن إستحقاق جائزة نوبل للسلام إعترافا بنجاح الإنتقال الديمقراطي فيها. فهل سيساهم قانون المصالحة في عبور تونس نحو بر الأمان أم أنه إنتكاسة حقيقية للثورة؟ كان شعار “التشغيل إستحقاق يا عصابة السراق (أي اللصوص باللهجة التونسية)” هو الشعار الذي طغى على كل المسيرات التي جابت المدن التونسية إبان الثورة، فالمطلب الأساسي للشعب التونسي كان التنمية الإقتصادية المتوازنة والقضاء على البطالة التي تفشت خصوصا في أوساط أصحاب الشهادات العليا، وهذا ما يجرنا إلى الإعتقاد بأن الخطر الأكبر على الثورة التونسية هو في عدم نجاح الآلة الإقتصادية في تحقيق أحلام الشباب الثائر، فلا معنى إذن لثورة تقود إلى إنتكاسة إقتصادية أو تعيد البلاد إلى الوراء سياسيا أو أمنيا أو إقتصاديا. الخشية من الركود الإقتصادي كانت حجة الرئيس السبسي للسعي لتمرير قانون المصالحة الذي يتيح إقرار عفو عام عن رجال الأعمال الذين تورطوا في الفساد المالي والإضرار بالمال العام أو إنتفعوا به أثناء فترة الرئيس السابق بن علي، مشروع القانون أثار جدلا واسعا في تونس بين مرحب ومشكك ورافض.

الرافضون لمشروع القانون يرون أنه تجاوُز للدستورٌ يكرّس حالة الفساد الإداري والمالي المستشري في البلاد منذ عقود ويستهدف في الصميم مشروع العدالة الإنتقالية، كما أنه يضمن للمتجاوزين الإفلات من العقاب وهو ما يعده البعض تداخلا بين السلط الثلاث وإخلالا بالتزام الدولة بمكافحة الفساد بل تشجيعا للمتورطين و رسكلة النظام السابق عبر إعادة تشغيل ماكنته الإقتصادية التي ساهمت في رهن البلاد للعائلة الحاكمة وحاشيتها، المنتفعون بهذا القانون هم حصرا رجال بن علي ومافيات المال والأعمال والسياسة، وإقراره سيلغي روح القوانين التي تصبو لردع المخالفين وإقرار السلم الإجتماعي في إطار من الشفافية والمحاسبة وجبر الضرر للأفراد والمؤسسات والدولة.

مشروع القانون وإن بدا في ظاهره وسيلة لدفع عجلة الإقتصاد المنكمش، إلا أنه لن يقود البلاد إلا إلى نكسة أخرى تضاف إلى نكسات سابقة في طريق تحقيق العدالة والمساواة وسيادة القانون، فمن إمتهن النهب والسطو والفساد السياسي لعقود لا يمكن الرهان عليه لبناء دولة الإحترام والديمقراطية، وضحايا الفساد الذين انتقضوا على الظلم وإجتثوه من أرض الخضراء سيجدونه ماثلا أمامهم متبوئا مقعده من سلطة القرار كما كان بالأمس القريب.

عدد من الحملات قادها شباب وناشطون في المجتمع المدني تهدف للتصدي لمشروع القانون أبرزها حملة “مانيش مسامح” أي ما معناه “لن أصالح” التي إختارت من الشارع وسيلة لإبلاغ صوتها وطريقة ضغط على أصحاب القرار لمراجعة القانون، العودة مجددا إلى الشارع في بلد يبحث عن التهدئة لن تساهم في إعتقادنا إلا في مزيد من تأزم الوضع الإقتصادي،  وما على العقلاء في بلدي إلا أن يفتحوا ملف المصالحة لمناقشات موسعة تشمل جميع الأطراف السياسية وأولهم ضحايا ماكنة الفساد، فلا معنى للعفو مادام الضحية يصر على تتبع المعتدي وهو حق يكفله له القانون أما إن إختار رجال القرار المضي قدما في المشروع فإنهم يتخندقون بذلك مع اللصوص وجلادي الأمس ويقدمون لهم خدمات مجانية تتيح لهم العودة للساحة السياسية والإقتصادية. عودة الشباب إلى الشارع لرفضهم قانون المصالحة نتيجة حتمية لغياب الحوار بين النخب السياسية وتفرد أصحاب السلطة بالقرار، وفي إعتقادنا قبة البرلمان لن تكون المكان المناسب لمناقشة الخيارات المصيرية بل يجب تشريك كل القوى السياسية حتى التي لا تحظى بثقل برلماني وهو ماحصل فعلا في تونس في مناسبات سابقة بقيادة الرباعي الراعي للحوار.

إشادة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مؤخرا بالتجربة التونسية يعطينا إنطباعا بأن أمرا ما تدبره قوى الشر لهذا البلد، فإن رضيت أمريكا عنا فهذا يعني أننا بدأنا نسلك الطريق الخطأ وعلينا مراجعة كل الخطوات المصيرية الأخيرة وأولها قانون المصالحة وعدم تجريم التطبيع مع الكيان الغاصب.

في الأسبوع المنقضي تم فصل سيدتين من العمل من المؤسسة التي أعمل بها بتهمة الفساد المالي، أتساءل ماذا لو أضافتا لفسادهما المالي المزعوم فسادا سياسيا، ربما كانتا ستتمتعان بقانون العفو وتُمنح لهما فرصة التوبة، لكن القانون حكر فقط على الحيتان الكبيرة ولا عزاء للضعفاء.

سفيان بنحسن

كاتب تونسي

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

Most Popular

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com