أخبار وطنية

>الرئيس المفقود.. والحوار المبرمج

شكري بن عيسى (*)

لم يكشف الحوار الذي استمر لقرابة الساعتين، والذي سبقته صورة الرئيس مع الصحفيين الثلاثة في حالة انبهار بطريقته في الحديث، من تقديم اي جديد يستحق الاهتمام، ولا تقديم بشائر خير او “مخارج” للتخبط الذي تردت فيه كثير من مناحي الحياة في البلاد.

فلا جديد في قضية الشورابي والقطاري، ولا تقدم ملموس في قضيتي بلعيد والبراهمي، ولا مفاتيح لمعالجة الارهاب، ولا افق للخروج من التأزم الاقتصادي، ولا بصيص من نور لفض مشكل الحوض المنجمي المعقد، ولا نافذة امل للبطالين الذين استبد بهم الاحباط، ولا شعاع ضوء للخروج من خندق التحركات الاجتماعية الاحتجاجية المختلفة.

فقط مجرد كلمات عامة واهداف “وجب” ان نصل اليها ويكون المواطن هو “الفاعل” لتحقيقها، مثل نسب النمو، او تحقيق الامن والسلم الاجتماعي، واستعادة ماكنة الانتاج والعمل، وغيرها من الكلمات الفضفاضة الانشائية، التي تصب في مربع المسؤول العاجز عن عرض الحلول وتقديم البدائل وابتكار الطرق الخلاقة.

الحوار “المفاجىء” كان على الاغلب مبرمجا، بل مطلوبا من ديوان الرئاسة، خاصة بعد التصريحات المزعزعة التي اطلقها كل من عدنان منصر وعمار عروسية في بحثهم عن الرئيس المفقود بالنسبة للثاني وعن المسؤول الذي ترك وظيفة الرئاسة شاغرة بالنسبة للاول، فكان بذلك الحوار مبرمجا لاظهار الصورة والحركة والكلمات التي افتقدت ولاثبات الوجود الذي اصبح مثار تشكيك.

الحوار بان مرتجلا، لضيق الوقت الممنوح لاعداده، وهو ما استدعى عدد ثلاثة صحفيين، وعدد 100 سؤال تقريبا كانت في اغلبها غير عميقة، ولو انها كانت مبوبة ضمن محاور محددة، الحوض المنجمي، الوضع الامني، والشورابي والقطاري والعلاقات الخارجية، والائتلاف الحكومي والنداء، والعلاقة مع الاحزاب والمنظمات الوطنية.. وبان من خلالها المستوى الهزيل للاعلاميين، ويمكن القول ان الامر الوحيد الذي تميّز فيه السبسي هو الرد بشدة على عديد الاسئلة الركيكة للصحفيين، الذين ارادوا ممارسة الهيمنة بفرض وجهات نظرهم على الرئيس.

Sebssi-08052015

الهجوم المركّز من بوغلاب ثم من بن حميدة للدفع نحو سياسة “القبضة الحديدية” في الحوض المنجمي تقبله السبسي في البداية بدهاء بتبني ما قالوه باعتبار المسألة تمس “الامن القومي” لاظهار اهمية الامر قبل ان ينقلب ويوجّه “الصفعة” الاولى برشاقة لبن حميدة باجابته “يظهرلي فيك ماكش قاعد تفهم” بعد اصراره على دفع السبسي على التخمر واقرار الحل الامني بسؤاله “شنوة الحل سي السبسي؟”، “الصفعة” الثانية كانت الحقيقة اقوى واشرس على نفس الشخصين على سلوك مماثل بدفع السبسي بطريقة صلفة نحو التصريح بانه “مستعد وموافق” على تخفيض اجور كبار الموظفين معتبرا مطالبهم “مطالب شعبوية”، واستمرت “الصفعات” لمرات عديدة خاصة مع بن حميدة في صلة بعلاقات تونس بليبيا في جواب للسبسي “شنوة الفايدة!!؟؟” على سؤال “علاش ما نسكروهاش الحدود؟” بعد جواب صاعق اول على سؤال سابق “انا اللي يفيد تونس حتى الشيطان نستقبلو!!” مادام الصحفي يتسائل انكاريا “هل كان مفيد لتونس استقبال رئيس حكومة غير معترف بها؟”.

“احنا موش في الكوشة”، كانت “اللطمة” المباشرة للبلومي على تعليقه السخيف “يلزم تنضج الفكرة” حول اجابة السبسي بأن “الطرفين طلبوا منه التداخل” ولكن لا تزال هناك خطوات اخرى ويلزم ضمان نجاح التدخل، وبذلك استحق السبسي هذه المرة التحية للدرس الاعلامي “المستوجب” لاعلاميين لم يتجاوزوا بعد الصف الاول، على الاغلب.

وان كان السبسي من حيث الشكل والتركيز والبديهة استوعب الاسئلة مرتفعة العدد والمرتجلة في اغلبها، وكان حاضرا على مدى ساعتين من الوقت، فانه لم يقدم في النهاية سوى الظهور الشكلي الذي شكك فيه الكثيرون ولكنه لم يقدم المضامين المطلوبة ولا الامل كجواب للانسداد القائم.

تكرار غير مستساغ لمبادرة “المصالحة الوطنية” غير مفهومة الملامح وغير واضحة العلاقة بالعدالة الانتقالية، ففي الوقت الذي يشير الى انها “لا تتضارب مع العدالة الانتقالية” يؤكد على انها “تشمل الجميع” وتأكيد على اهميتها لتحسين مناخ الاستثمار، مع تهجّم مجّاني غير مبرر على هيئة الحقيقة والكرامة، ثم استدراك على ان المصالحة يستثنى منها “السراق” ولن تشمل “رموز النظام السابق”!!

اغلب الاجوبة كانت مكررة ومجترة وتأكيد على صواب اختيار الصيد، وعلى سلامة توجهات حكومته، وعلى ضرورة الائتلاف الحكومي الذي يضم النهضة، وهي مواقف سابقة لا جديد فيها اعيدت صياغتها لا غير.

والاسئلة الدقيقة الجوهرية الوحيدة التي تعلقت بغياب الرئيس عن المشهد الوطني تم تجاهلها والاشارة الى صفة “السلبية” ممن اثارها، من اجل تتفيهها وازدرائها، وانصب التركيز على “حدود وظيفة الرئيس” و”احترامه للسلطات التنفيذية للحكومة” وان الحكم لا يمكن ان يكون منصفا على مرحلة 100 يوم في ظرف “استثنائي انتقالي”.

وهو ما لم يكن ليلحظه ويعتبره السبسي في حكم الترويكا اذ اطلق معارضته حينها في شهر جانفي 2012 اي بعد شهر من انطلاقها، ووجه لها وقتها ابشع التهم، ووصفها بافظع النعوت، وهو ما لم يواجه به من السائلين، كما انه اعفي من غياب مركز الرئاسة الرمزي في الحياة الوطنية وفي تحقيق الوحدة واحداث الحوار والتحكيم بين القوى والاطراف المتصارعة.

الاسئلة حول خروقات الدستور المتكررة واخرها المتعلقة بتركيز المجلس الاعلى للقضاء والمصادقة على قانون انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، كانت غائبة، كما غابت اثارة قضية فشل الدبلوماسية الاقتصادية والانهيار في الحجوزات في السياحة والتعيينات حسب الولاء والقرابة في الرئاسة والولاة وبعض الوظائف العليا، وايضا الفوضى الحاصلة في الاحتفال بذكرى 14 جانفي، وتعمق الفوضى في البلد وخاصة تقهقر “هيبة الدولة” الموعودة في “قلب” برنامج النداء.

الحقيقة ان المطلوب ليس تحقيق انجازات “ساطعة”، ولكن الحقيقة عدم التقهقر تحت خط الوضع القائم قبل تسلم الحكم، وتوضيح التوجهات والسياسات الكبرى في مجالات الامن القومي والخارجية والدفاع التي هي من صميم صلاحيات الرئيس، وايضا الانطلاق في الاتجاه الصحيح ووضع القطار على السكة وخاصة في مجال الدبلوماسية الامر الذي لم يحصل وطبعت مواقفنا الخارجية التخبط والفوضى الى حد اصبح البعض يخشى دفع تونس في حرب لا يعرف لها مآل.

عجز الرئيس عن حماية ارواح التونسيين فعلا هو امر غير مقبول، واليوم يكتفي بمجرد تمني ان يكونا الصحفيين نذير وسفيان على قيد الحياة، والتعلل بعدم وجود دولة في ليبيا واثبات القصور الشامل حتى في تقديم الخبر اليقين حول وضعيتهم، ايضا قوارب الموت هي فضيحة كبرى ولا توجه واضح من الرئاسة في الصدد، والادهى هو عجز الرئيس عن التنقل داخل القصر والوقوف لنصف ساعة لتوسيم اعوان الامن الرئاسي وانابة مدير الديوان للغرض.

الحقوق والحريات خاصة الاعلامية باتت مهددة خاصة مع الشلل القانوني الذي دفعت اليه “الهيكا” وهو الامر الذي لم يوجه حوله السؤال للرئيس، وماذا يتوجب عليه فعله سريعا لسد الشغور المفروض، وحامي الدستور الضامن للحقوق والحريات اعفي من الرد حول هذا الامر الدقيق.

واذا كان من “انجاز” حققه هذا الحوار “المبرمج” فهو السؤال “العبقري” الذي يعكس “ابداع” الاعلام التونسي الذي اتحفنا به البلومي عن نية شخص، في التسعين غير قادر على التنقل داخل قاعات القصر لتوسيم الامنيين، للترشح لدورة قادمة بعد خمس سنوات، وهو لعمري سؤال وجب ادراجه في كتب التدريس في جامعات الصحافة وعلوم الاخبار ليس في تونس فقط بل في كل اصقاع العالم!!

(*) قانوني وناشط حقوقي

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

الأكثر تداولا

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com