سياسة

أضعناك يا صدام وأي فتى أضعنا … ليوم كريهة وسداد ثغر

إن من يعيد قراءة أحداث العقد الأخير من تاريخ وطننا العربي يدرك بأن بوابة الجحيم قد فُتحت على مصراعيها يوم دَنّس المارينز أرض بغداد، كان جيش العراق القوي درع الأمة وحامي حماها و سيفها البتار في وجه الأعداء، كان جمجمة العرب ورمح الله في الأرض، ومع إحتلال العراق وتفتته تداعت العواصم العربية واحدة تلو الأخرى وتكررت مشاهد الغزو في أكثر من قطر عربي، بدأ السقوط وعمت الفوضى يوم رقص أشباه الرجال على تمثال فارس الأمة وحامل لوائها، واليوم بعد تسع سنوات على رحيل صدام نتساءل نحن العرب هل بدأنا نتلقف ما جنينا على أنفسنا؟ كان جليا منذ بداية المؤامرة الكونية أن غزو العراق لم يكن رغبة في نزع الأسلحة المزعومة كما إدعت زبانية بوش ولا سعيا لإقامة عراق ديمقراطي لن يرى النور يوما، ولا لحماية دويلات الخليج من الجار القوي، كان الغزو فاتحة مشروع ضخم لإعادة تقسيم المنطقة وللتصدي لمشاريع التأميم العربية التي مثّل عراق صدام قاطرتها الأولى وأكثر نماذجها نجاحا في ضمان السيادة الوطنية على مقدرات الدولة وثرواتها. ربما لم تكن الثروة التي إمتلكها العراق هي الأكبر في منطقتنا العربية، لكنها كانت موظفة لخدمة المشروع العراقي القومي المناهض للصهيونية والإمبريالية الغربية والداعي إلى توحيد الأمة في مواجهة أعدائها، كان فكر صدام ورسالته الخالدة هما الهدف من وراء الغزو والتدمير الممنهج للبلد وإغتيال علمائه وقادته.
أكبر خطايا صدام التي دفعت تتار العصر إلى التكالب عليه و على بلده ثم أمته هي تأميمه للنفط العراقي ونهوضه بالتعليم والصحة وتأسيسه لجيش وطني قوي يتبنى قضايا الأمة ثم سعيه الحثيث لتطوير الصناعات العسكرية والمدنية، كان عراق صدام بلدا مستقرا في طور النهوض والتقدم شهد العالم بإمتلاكه لأفضل نظام صحي في الشرق الأوسط ، تطورت فيه الزراعة والصناعة و بلغت نسبة الأمية صفرا،و كان المهيب الركن يؤسس لدولة مدنية يخضع فيها الجميع لسلطة القانون، أدرك أن لبنة الديمقراطية الحقيقية هي الأمن و العدل والإصلاح ومحاربة الفساد وآمن بأن القوة تصنع الحرية ، لم يكن صدام وارثا لقوة العراق ومجده بل صانعا لهما، ولم يكن مشروعه ليمر دون أن تتكالب عليه قوى الشر ودون أن تتحرك جيوب العمالة في الوطن العربي لتشريع الإرهاب الأمريكي في حق شعب العراق فكانت حرب الإبادة وكان الإحتلال. وسيذكر التاريخ أن الطغاة لم يدخلوا العراق عبر تركيا الأوروبية ولا عبر إيران الفارسية وإنما عبر الحدود التي قاتل العراق دفاعا عنها، فُتحتْ بوابات الخليج على مصراعيها أمام العلوج ليكرر التاريخ مأساة هابيل مع أخيه وليعيد رواية ظلم إخوة يوسف لأخيهم وكفرهم وحقدهم وعمى بصيرتهم.
تسع سنوات مرت على إستشهاد بطل من أبطال التاريخ الذين تحدوا الظلم بثبات ويقين ولم ترهبهم قوة الخصوم فوقفوا أماما جبروت الحقد والطغيان سلاحهم الحق والإيمان، تسع سنوات كانت كفيلة بأن ينتشر الظلم والإرهاب والفوضى وبأن ينتهي العراق الواحد وتتفتت سورية وتضيع جماهيرية العقيد. واليوم يجد الإخوة الأعداء أنفسهم بين مد إيراني ما كان له أن يوجد لو بقي صدام وبين تغوّل داعشي ما كان له أن يولد لولا طائفية القادمين على الأبرامز. اليوم يجدون جزاء ما صنعت أياديهم سقط صدام شهيدا ثابتا على المبادئ التي آمن بها وقاتل من أجلها، وسار إلى الموت مرفوع الهامة باسم الوجه ناطقا بالشهادتين وهاتفا لفلسطين، أسعدتْ حياته الصديق وأغاظ رحيله العدى فرحل شامخا عن عالم الآثام والبغضاء لكن رسالته باقية فينا ما بقي النخل والزيتون، رحل صدام بعد أن زرع في الجيل التالي الإيمان بأن النصر حليف الشجعان وأن قوة الحق عندما تجابه الباطل و الإنحراف تتحول إلى طاقة فعل هائلة، فارقنا فارس الأمة لكن إستشهاده سيبقى نبراسا ينير درب الثوار
سفيان بنحسن
كاتب تونسي

هذه التعاليق لا تعبر عن توجهات الموقع و إنما تعبر عن رأي صاحبها

Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

 

Most Popular

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com